حسن ابراهيم حسن

142

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

ويرميهم به ، كما سير إليهم جنده في الدبابات « 1 » والضبور « 2 » ليتقى بها المسلمون النبل الموجه من عل . فلم يلبثوا - وكانوا أهل حذق ومهارة - أن احتالوا لصدها عنهم بإلقاء قطع الحديد المحمية عليها ، فأحرقوها واضطروا من فيها إلى الخروج منها ، ثم رموهم بالنبل ، فقتلوا منهم رجالا . فلم يجد الرسول بدا من أن يهددهم بإتلاف بساتينهم وتحريق كرومهم ، وهي عزيزة عليهم لما لها من الشهرة وبعد الصيت في جميع أرجاء جزيرة العرب ، حتى غدت الطائف بفضل هذه الكروم جنة فيحاء وسط هذه الصحراء القاحلة . وأخذ المسلمون في تنفيذ أمر الرسول ، فعز على ثقيف كرومها . وقد رأت الجد من الرسول وأتباعه ؛ فبعثت إليه من يخبره « بأنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بنى الأسود ، وأن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا . . فيأخذه لنفسه أو ليدعه للّه والرحم ، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل » ( ابن هشام 4 : 129 ) وأقام الرسول على حصارهم ، حتى إذا دنا شهر ذي القعدة ( وهو من الأشهر الحرم ) ، فك عنهم الحصار ليرجع إليهم بعد انقضاء الأشهر الحرم . عاد الرسول إلى الجعرانة حيث كانت تنتظره أسلاب هوازن وسبيها ؛ ووافاه وفد هوازن مسلمين تائبين ، وطلبوا منه أن يرد عليهم أموالهم ومن سبى منهم . فخيرهم بين أخذ السبي أو الأموال ، فآثروا نساءهم على أموالهم ، فنزل لهم الرسول عن كل من دخل منهم في ملكه أو ملك بنى عبد المطلب ، وقال لهم : إذا صليت فقوموا فقولوا : إنا نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول اللّه في أبنائنا ونسائنا ، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم . ففعلوا ؛ فقال رسول اللّه أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم ، وقال المهاجرون والأنصار :

--> ( 1 ) الدبابة أداة من أدوات الحرب يدخل المحاربون في جوفها ويدفعونها إلى جدار الحصن فينقمونه وهم في داخلها يحميهم سقفها وجوانبها من قبل العدو . ( 2 ) الضبر ويجمع على ضبور كسهل وسهول : أي أداة كالدبابة تقريبا تصنع من الخشب المغطى بالجلد ، فيكمن فيها المهاجمون ويقربونها للحصن لقتال أهله وهم فيها ، وهي أشبه بالسيارات المدرعة اليوم . روى ابن هشام ( ج 4 ص 122 ) أن عروة بن مسعود وغيلان ابن سلمة لم يشهد وقعة حنين ولا حصار الطائف ، لأنهما كانا يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور مما يدل على مبلغ اهتمام ثقيف بحرب الرسول وإعدادها للمعدات المختلفة لتلك الحرب التي شنتها عليه وهو في مكة ، فكانت وقعة حنين .